
موسى ونتيتي
سنوات وسنوات من الوعود المعلقة
منذ عام 2013، وثّقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بدايات التحول القسري لمهجري غدامس من الطوارق، حين اضطروا إلى اتخاذ منطقة “وادي آوال” ملاذاً مؤقتاً في عمق الصحراء، هرباً من تداعيات العنف وانعدام الأمن. ووفقاً لأرشيف البعثة الأممية، ظل هذا الوضع الاستثنائي قائماً دون معالجة جذرية، رغم تعاقب المبادرات والوعود.
ويؤكد هذا الاستمرار ما خلصت إليه الزيارة الميدانية الأخيرة التي أجرتها نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، السيدة جورجيت غانيون، إلى غدامس ودرج وأوال في مايو 2024، حيث سلطت الضوء على عمق الفجوات التنموية، والحاجة الملحة إلى دعم حكومي ممنهج لضمان وصول الخدمات الأساسية وفرص التنمية إلى المجتمعات المحلية في هذه المناطق الحدودية، مشيرة إلى أن التحديات هناك “مركبة ومتراكمة”. 
واقع آوال .. عمران ذاتي وتهميش ممنهج في أرض الثروات
يرسم محمد جبلاني،مختار محلة آوال، صورة دقيقة لهذا النسيان الممتد؛ حيث تتآكل المسارات الترابية وتغيب شبكات البنية التحتية الأساسية، مقابل عمران فرضه السكان بجهودهم الذاتية لسد فراغ الدولة وغياب أي مخطط عمراني رسمي. مبانٍ شُيّدت خارج إطار التخطيط، لا تعكس فوضى اجتماعية بقدر ما توثّق إقصاءً إدارياً طويل الأمد، حوّل الوجود المؤقت إلى واقع دائم بلا اعتراف قانوني.

ولا تختزل معاناة السكان في نقص الخدمات فحسب، بل تتجلى في صراع يومي مع قسوة الطبيعة داخل منطقة حدودية تزخر بالموارد الطبيعية، دون أن ينعكس ذلك على حقهم في التنمية أو العيش الكريم. هذا التناقض الصارخ بين الغنى الجغرافي والحرمان الإنساني يجعل من تهميش آوال انتهاكاً فعلياً لمبدأ المواطنة المتساوية، ويكرّس شعوراً عميقاً بالاغتراب داخل الوطن.
الشباب والعمل التطوعي .. أرواحٌ تسير بلا أجساد
لم تكن قسوة الجغرافيا وحدها ما يواجه سكان “آوال”، بل كان “الفراغ القاتل” هو العدو الأول لفئة الشباب. يصف إسماعيل وشريني (عضو المجلس البلدي والناشط في مجال التعليم والعمل التطوعي) هذا الواقع بعبارات تمس الوجدان، معتبراً أن الأحداث الجسام التي مرت بها البلاد منذ عام 2011 خلفت وراءها تهميشاً ممنهجاً وتفشياً للبطالة، مما جعل شريحة الشباب تعيش حالة من الإحباط وانعدام الأفق، حتى “بات الكثير منهم يعيشون كأرواح تسير بلا أجساد”.
هذا الشعور بالمسؤولية هو ما دفع وشريني للانخراط في العمل التطوعي كواجب وطني، محاولاً بث الأمل في نفوس جيل يرى مستقبله يغرق في رمال الصحراء المتحركة، وموجهاً نداءً استغاثة لإنشاء مرافق ترفيهية وتعليمية تحتضن طاقاتهم الضائعة.

وفي سياق متصل، ينقل محمد مني هماكي أبو، الإعلامي المستقل من آوال، تجربة عملية مريرة بدأت منذ نزوح عام 2011؛ حيث تحولت معاناة الشخصية إلى دافع لاحتراف العمل المدني. يروي هماكي صراعه لتأسيس “منظمة شباب آوال”، واصفاً العقبات الإدارية التي واجهته نتيجة “الانقسام المؤسسي” بين شرق البلاد وغربها، وتأخر المعاملات الذي يكبل المبادرات المحلية.
ورغم هذه السوداوية، يسجل هماكي نقاطاً مضيئة في مسيرة العمل المدني، مشيداً بالدعم الفني من بعض المنظمات الدولية والمحلية، ومثمناً مرونة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات التي سمحت للمنظمات المحلية بالمشاركة في مراقبة الاستحقاقات الوطنية حتى وإن كانت إجراءات إشهارها معرقلة إدارياً، في خطوة اعتبرها بصيص أمل لتمكين الشباب من انتزاع دورهم في بناء الدولة رغم ركام الأزمات.
وفي سياق البحث عن حلول، يرى الناشط المدني الحسن أخمدي (عن منظمة أسيهار لحقوق الإنسان ودعم الديمقراطية – آوال) أن الحل يبدأ من تعزيز حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية للمجتمعات ضحية نزاعات 2011. ويشدد أخمدي على ضرورة دعم منظمات المجتمع المدني المحلية التي تصارع ضعف الموارد والعقبات القانونية واللوجستية، قائلاً: “للشباب دور محوري في تعزيز الوعي للوصول إلى سلام مستدام وحقيقي، وهو الجسر الوحيد للانتقال من مرحلة النزوح إلى التنمية والاستفادة الفعلية من موارد المنطقة وخيراتها.”

المأساة الإنسانية .. عجزٌ مضاعف تحت شمس الصحراء
تتجسد ذروة القسوة في قصة “أبو عبد المهيمن”، أحد ضحايا أحداث العنف في غدامس عام 2011، والتي أسفرت عن بتر ساقه. يواجه اليوم “عجزاً مضاعفاً” في بيئة تفتقر لمراكز صيانة الأطراف الصناعية. قصته تضع الدولة أمام التزاماتها وفق اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تكفل الحق في الوصول للخدمات الصحية المتخصصة والقريبة.
العزلة الجغرافية.. حين تباعد الإدارة ما قربته الطبيعة
يروي السيد محمد إبراهيم مأساة المسافات؛ فالمسافة التي لا تتجاوز 70 كم للوصول إلى أقاربه في “الدبداب” الجزائرية، تحولت بفعل إغلاق المنافذ إلى رحلة دولية شاقة عبر تونس تمتد لمئات الكيلومترات. ويؤكد: “تجمعنا أواصر المصاهرة والوديان، لكن العوائق الإدارية هي التي تمزق نسيجنا الاجتماعي”.
الرؤية القانونية .. النزوح الإداري والمسؤولية الضائعة
من منظور القانون الليبي ومبادئ العدالة الانتقالية، يضع الباحث القانوني والمهتم بقضايا العدالة، الأستاذ شعبان الطاهر أحمد، النقاط على الحروف؛ معتبراً أن استمرار وضع مجتمعات النازحين في حالة “مؤقتة” لأكثر من عقد يُعد إخلالاً جسيماً بالمسؤولية القانونية والدستورية للدولة.
ويرى الطاهر أن معالجة قضايا النزوح لا تقتصر على الجانب الإغاثي، بل هي التزام قانوني بإنهاء الوضع الاستثنائي المفروض قسراً. ويضيف قائلًا: “إن غياب المخططات العمرانية الرسمية في آوال، وتعطيل تثبيت الملكيات، وتأجيل جبر الضرر، هي مؤشرات على ‘نزوح بوسائل إدارية غير معلنة’، وهو انتهاك مستمر لا يسقط بالتقادم”. ويشدد على أن العدالة الانتقالية تتطلب اعترافاً كاملاً بحق السكان في التنمية، وهو ما تدعمه استراتيجية الأمم المتحدة للشباب 2030، مؤكداً أن القضاء الإداري يظل أداة مشروعة لمساءلة الدولة عن هذا التقاعس الذي ترتب عليه ضرر مستمر يمس صلب المواطنة المتساوية.

ميثاق الاستقرار.. نحو إنهاء “تغريبة آوال”
إن فك ارتهان “وادي آوال” لواقع النزوح المزمن يتطلب اليوم تجاوز سياسة الوعود المؤجلة نحو إرادة حقيقية تضع حداً لسياسة النسيان الممنهج. يبدأ هذا المسار بالاعتراف القانوني والمكاني بالمدينة عبر اعتماد مخطط عمراني يشرعن وجودها ويثبت ملكيات سكانها، بالتوازي مع التزام سيادي بتوطين الرعاية الصحية المتخصصة لإنهاء مأساة ضحايا النزاع وذوي الإعاقة الذين يواجهون عجزاً مضاعفاً في قلب الصحراء. كما يظل كسر طوق العزلة عبر تفعيل المنافذ الحدودية ضرورة لا غنى عنها لإعادة وصل النسيج الاجتماعي الممزق وتسهيل حركة المواطنين، مع ضرورة رفع اليد عن مؤسسات المجتمع المدني ومنحها الدعم المالي والقانوني لتكون المحرك الفعلي لقطار التنمية. إن كرامة الإنسان في هذا المثلث الحدودي الغني بموارده والمهمش في واقعه، لم تعد تحتمل مزيداً من الانتظار؛ فالإنصاف اليوم هو الاختبار الحقيقي لمبادئ العدالة والمواطنة فوق كل شبر من تراب الوطن.
تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيين من أجل حقوق الإنسان JHR