نساء في مهن غير تقليدية

ليبيات يكتبن النجاح بمفك البراغي وفرشاة الطلاء

تحقيق ريمة الفلاني

في أحد أحياء مدينة سبها، تقف مبروكة المجبري التي غيرت اسمها إلى مبتسمة المجبري فوق السقالة بخفة لا تتوقعها. ملامحها الصغيرة، تحمل بيدها فرشاة الطلاء، كأنها ريشة ألوان، تمزج بها الألوان بدقة .. فنانة تعرف تمامًا كيف تحول الجدار الرمادي إلى لوحة تنبض بالحياة.

مبتسمة، من مواليد عام 1992، درست حتى الصف التاسع ولم تكمل تعليمها، لكنها وجدت طريقها من باب الموهبة. تقول بابتسامة لا تفارق وجهها: “كنت أحب الرسم منذ طفولتي، وأخي هو من علّمني الطلاء وخلط الألوان .. ومن هناك بدأت رحلتي في عالم طلاء البيوت.

منذ أربع سنوات، تعمل مبتسمة في طلاء البيوت. مهنة شاقة تحتاج لجهد بدني وصبر، لكنها كما تقول “تستحق العناء لأنها تترك أثرًا جميلًا ومردودًا ماديًا جيدًا”.

معظم زبائنها من النساء، إذ يشعرن بالراحة في التعامل مع عاملة أنثى. أما العرسان الجدد، فيطلبونها تحديدًا” لتضع لمستها الفنية في بيوتهم الجديدة،

ورغم أن المجتمع لم يتقبل عملها بسهولة، وواجهتها نظرات استغراب كثيرة، إلا أن مبتسمة لم تتراجع. تقول بثقة تعلمت التجاهل. أنا أحب شغلي وأهلي يدعموني، وهذا كافٍ، طالما أعمل بضمير، لايهمني رأي الناس.

وراء ابتسامتها الصبورة مسؤوليات كبيرة، فهي المعيلة الوحيدة لعائلتها التي تمر بظروف صعبة، وتتحمل عبء النفقة والعمل معًا. ومع ذلك، لا تفكر مبتسمة بالتوقف، بل تخطط لإنشاء شركة مقاولات نسائية في المستقبل، لتفتح الباب أمام أخريات مثلها.

ريشة انثوية تلون الجدران وتخلق الدهشة:

تضحك مبتسمة وهي تروي المواقف التي تتكرر في حياتها، كل من يتحدث معي هاتفيًا للاتفاق على العمل لأول مرة يتخيلني طويلة وضخمة، وعندما نلتقي وجهًا لوجه لنبدأ العمل يجدونني قصيرة، وملامحي أصغر من سني فيقولون:” كيف ح تطلعي على السقالة”

تخصص مبتسمة لنفسها ثلاثة أيام راحة بين كل عمل وآخر، لتعيد ترتيب أدواتها واستجماع طاقتها، أما عن الزواج، فتقول ببساطة لو زوجي طلب مني التوقف عن العمل، سأتوقف. لكن لا أستطيع منع نفسي من طلاء بيتي بيدي، هذا جزء مني.

في عالم يضع النساء في قوالب جاهزة، تخرج مبتسمة المجبري من الإطار، تمسك بالفرشاة، وتعيد رسم الصورة بطريقتها — بهدوء، بعناد جميل، وبألوان الحياة التي تشبهها تمامًا.

من سكن الطالبات إلى تأسيس أول شركة نسائية للصيانة:

في مدينة سبها أيضًا، حيث ما تزال بعض المهن تُعدّ “حكرًا” على الرجال، اختارت المهندسة خديجة المجدوب أن تكسر الصورة النمطية بهدوء وثقة.

خديجة، خريجة بكالوريوس اتصالات وهندسة إلكترونية، وموظفة في كلية تقنية المعلومات بسبها، لم تكتفِ بالعمل الأكاديمي، بل أسست مع زميلاتها شركة “طموح” النسائية لصيانة الحواسيب والهواتف المحمولة، لتفتح بابًا جديدًا أمام النساء في مجال التكنولوجيا.

تقول خديجة: بدأت علاقتي الأولى بعالم الصيانة عندما كنت أسكن في القسم الداخلي أثناء دراستي الجامعية، حيث كنت محل ثقة زميلاتي في إصلاح الحواسيب والموبايلات. ومع الوقت اكتسبت خبرة كبيرة جعلتني أفكر بجدية في تحويلها إلى مهنة حقيقية”.

عام 2019 صادف أن قرأت إعلانًا عن دورة تدريبية تنظّمها منظمة اليونيسف في صيانة الهواتف المحمولة، فقررت الالتحاق بها، ومن هنا بدأت قصة مشروع “طموح تضيف خديجة بابتسامة وتكمل: دائمًا كنت أتساءل (لماذا لا يكون هناك مكان خاص للنساء لإصلاح أجهزتهن في بيئة آمنة تحفظ خصوصيتهن؟ كثير من الفتيات يترددن في إعطاء هواتفهن لمحلات الصيانة التي يعمل فيها شباب، خوفًا من الاطلاع على صور أو بيانات شخصية)

بعد انتهاء التدريب، كانت خديجة واحدة من ثلاث فتيات فقط واصلن العمل في هذا المجال من أصل عشرين مشاركة. جمعتها الفكرة مع زميلتيها المهندسة رجاء (تخصص تقنية معلومات) والمهندسة حليمة (تخصص حاسوب)، وقررن تأسيس شركة “طموح”، التي حازت لاحقًا الترتيب الثالث في مسابقة أفضل مبادرة شبابية اجتماعية بسبها لعام 2019 من بين أربعين مشروعًا.

بدأ الفريق العمل في عام 2020 من المنازل، مستفيدات من فترة الحجر الصحي خلال جائحة كورونا، وكانت زبائنهن من الأهل والجيران. لاحقًا أطلقن صفحة على فيسبوك لتسويق خدماتهن، وبدأن بنشر فيديوهات توثّق عملهن في الصيانة، بعدما واجهن شكوكًا من البعض حول ما إذا كنّ يقمن بالعمل بأنفسهن.

ومع مرور الوقت، حصدن ثقة الزبائن ليس في سبها فقط، بلمن مختلف مناطق الجنوب الليبي، وحتى من الشرق والغرب، عبر تقديم استشارات وحلول مجانية أونلاين.

في عام 2022 توسع نشاط “طموح” ليشمل بيع أجهزة الحواسيب مع تقديم تخفيضات وتوصيل مجاني للطلبة، وبدأ المشروع في تحقيق أرباح فعلية عام 2023. أما اليوم، في عام2025، فقد افتتحت خديجة وشريكتها مقرًا رسميًا للشركة في مجمع القرضة التجاري النسائي، وهو مجمع مخصص بالكامل للنساء، ينسجم تمامًا مع رؤية المشروع في خلق مساحة آمنة للنساء.

لم تخلُ الرحلة من التحديات، أبرزها – كما تقول خديجة – قلة رأس المال وصعوبة الحصول على قطع الغيار التي يضطررن لجلبها من طرابلس، إضافة إلى انتقادات المجتمع في البداية، إذ اعتبر البعض أن فكرة نساء يعملن في صيانة الإلكترونيات أمر غير قابل للتحقيق.

تروي بابتسامة ممزوجة بالفخر، حتى أول شخص درّبنا على الصيانة قال لي إن المشروع مستحيل أن ينجح في سبها.

لكنه اليوم أحد أكبر الداعمين لنا، بعد أن رأى نجاحنا واستمرارنا رغم كل الصعوبات، وتضيف بثقة لم نحاول تحدي المجتمع، بل انسجمنا مع قيمه وقدّمنا فكرة تحترم خصوصيته، وتخدم النساء.

 نجاحنا دليل أن التغيير ممكن دون صدام

اليوم، تخطط خديجة لتوسيع مشروعها ليشمل فروعًا في مختلف المدن الليبية، وتؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق برامج تدريبية لتأهيل نساء أخريات في مجال الصيانة وتوفير فرص عمل لهن.

وتختم خديجة حديثها قائلة أن مشروع طموح بدأ في سبها، وغدًا سيكون في كل ليبيا. ولن أقبل بزوج يرفض مشروعي، لأنه ليس مجرد عمل، بل حلم كبر معنا.

قالوا مسترجلة:

من وادي عتبة اختارت عائشة صالح محمد، موظفة ومتزوجة ولديها أطفال مهنة الزراعة حيث عادت للجذور وبدأت من الصفر حسب وصفها، فقد اشترت قطعة أرض وتوقفت لسنوات لعدم توفر الإمكانيات، ولتجمع المال، حفرت بئر وتوقفت لسنوات أيضًا امدادات أسلاك الكهرباء ليست متاحة في الجنوب الليبي.

تقول عائشة: زرعت القمح والشعير ومن إيرادهما، وسعت مشروعي، وزدت أنواع أخرى من المحاصيل الزراعية.

تشتكي عائشة من صعوبات ومشاكل في منظومة شبكات الري والكهرباء، وعدم توفر البذور وعدم وجود الآلات الري والآلات الزراعية.

وتضيف بمرارة: تأخرت كثيرًا لأنني لم أجد من يدعمني إلا نفسي، لم اكتف بالزراعة، حاولت إقامة صناعات بسيطة تعتمد على إنتاجي الزراعي مثل تجفيف الطماطم والملوخية والنعناع ورب التمر ودقيق القمح المستخدم في أكلة “الفتات”.

تقول عائشة: اطمح في الحصول على الآلات الزراعية لتطوير المشروع مثل الجرار، وأن تصل الكهرباء مزرعتي، لأنني اعتمد على كابل وصل من منطقة بعيدة، ولا يخلو المشروع من خسائر، موسم البطيخ مثلا زرعت خطين، وفسد المحصول وخسرت سبعة الألاف بين بذور وأسمدة.

تقول عائشة: واجهت نظرة استهجان من المجتمع الذي لم يتقبل امرأة تعمل في المزرعة، وكموظفة حكومية في نفس الوقت وليس لديها وقت للزيارات والمجاملات، واتهموني “بالمسترجلة“ الرافضة لدورها الذي اختاره لها المجتمع “البيت وتربية الأطفال“، لكنني تجاهلت كل ذلك مع دعم زوجي، ومع الوقت تقبل الناس رؤيتي، وأنا اعمل طوال الوقت في مزرعتي.

تقول وزير الدولة لشؤون المرأة في حكومة الوحدة الوطنية حورية طرمال: نحن اليوم لدينا 80% من النساء يعملن في القطاع العام و20% يعملن في القطاع الخاص في مهن مختلفة، ولم تعد مهنة الميكانيكا، أو الطلاء مثلًا حكرًا على الرجال في ليبيا، فخلف أصوات المطارق ودهان الجدران، بدأت تظهر نساء ليبيات يغيّرن الصورة النمطية، ويفتحن لأنفسهن طريقًا جديدًا في سوق العمل، رغم نظرات الدهشة أحيانًا والإعجاب أحيانًا أخرى، ورغم أنه لا توجد لدينا إحصاءات، أو أرقام بعدد النساء اللواتي يعملن في مهن غير تقليدية، الا إننا نلاحظ زيادة اعدادهم في مجتمعنا.

وزير الدولة لشؤون المرأة في حكومة الوحدة الوطنية حورية طرمال

دخول النساء إلى المهن غير التقليدية بدأ يبرز بشكل أوضح بعد سنة 2011، عندما تغيّرت الظروف الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. فالأزمة المعيشية دفعت كثيرًا من السيدات إلى البحث عن مصدر رزق، فبدأن يدخلن مجالات لم تكن مألوفة من قبل، مثل الميكانيكا والدهان والكهرباء وحتى الحدادة أحيانًا.

وتضيف “السبب الأساسي كان الحاجة المعيشية وفقدانًا لسند، لكن أيضًا هناك اليوم وعي أكبر بأن المرأة قادرة على العمل في أي مجال، ما دامت تملك الكفاءة والرغبة”

ورغم أن دخول النساء إلى هذه المجالات يعد خطوة جريئة، إلا أن الدعم الحكومي بدأ يواكب هذه التحولات.

نحاول كوزارة دعم النساء بكل الطرق الممكنة، تقول الدكتورة حورية، موضحة أن هناك تعاونًا بين الوزارة وجهات محلية ودولية لتنظيم دورات تدريب مهني للنساء في مجالات مختلفة، مع منحهن شهادات معتمدة تساعدهن على فتح مشاريع أو إيجاد فرص عمل.

كما تشير إلى وجود برامج صغيرة تقدم منحًا وأدوات عمل للنساء اللاتي بدأن مشاريعهن من المنزل أو من ورش بسيطة، مضيفةً: نهتم أيضًا بالدعم النفسي والاجتماعي، لأنه لا يقل أهمية عن الدعم المادي،

وبشأن الإطار القانوني، تؤكد طرمال أن القانون الليبي لا يمنع النساء من ممارسة المهن غير التقليدية، فالقانون لا يفرض أي قيود صريحة، لكن التحدي الأكبر هو العادات الاجتماعية والموروث القديم.

نعمل حاليًا على مراجعة بعض النصوص لضمان حماية المرأة وتمكينها من اختيار المجال الذي تريده، طالما تتوفر فيه شروط السلامة والاحترام حسب تعبيرها.

أما عن خطط الوزارة المستقبلية، فتوضح أن هناك خطة عمل تشمل ثلاثة محاور أساسية، وبرامج تدريب وتأهيل مهني بالتعاون مع القطاع الخاص ومبادرات تمويل صغيرة لمساعدة السيدات على تطوير ورشهن ومشاريعهن، كان آخرها مشروع “أجيال” بالتعاون مع مؤسسة خبراء فرنسا وحملات إعلامية لتغيير نظرة المجتمع تجاه النساء العاملات في المهن الحرفية وإبراز قصص النجاح الملهمة.

وتؤكد دكتورة حورية أنهم في الوزارة حريصون على أن يكون الدعم واقعيًا، يلمس حياة النساء فعلاً وليس مجرد وعود على الورق.

وفي ختام حديثها، أكدت أن الوزارة تتواصل بشكل مباشر مع النساء العاملات في هذه المجالات من خلال الجمعيات والزيارات الميدانية، كثيرات شاركن في ورش ومعارض، ونجحن في كسب احترام المجتمع بجهدهن وإصرارهن.

نحن نعتبرهن شريكات في التغيير لا مجرد مستفيدات من الدعم وقصصهن مصدر إلهام حقيقي.

غياب التدريب التحدي الأول للنساء:

يقول المحامي والناشط الحقوقي صالح حتيتة أن هناك عدة أساب قد تؤدي إلى صعوبة امتهان النساء للمهن غير التقليدية، أهمها القيود الاجتماعية خاصة في المنطقة الجنوبية، حيث يرى الأغلبية أن هناك مهن لا تناسب النساء، وتحتاج مجهودًا بدنيًا عاليًا، مما يشكل تحديًا بالنسبة للسيدات، لكن بالنسبة لي أرى أن غياب ونقص التدريب على هذه المهن هو التحدي الحقيقي لهن, إلى جانب التوقعات المجتمعية النمطية، حيث يتوقع من النساء دائمًا الالتزام بالأدوار المعتادة لهن في الرعاية، والمنزل والمهن الخاصة بالرعاية في الصحة والتعليم.

ويؤكد حتيتة أن قانون العمل الليبي رقم (12) لسنة 2010 اعطى للمرأة حرية اقتداء الحرفة التي ترغب في العمل بها، دون تمييز بينها وبين الرجل، كما أن لها أن تؤسس شركات ومراكز تجارية خاصة بها دون قيود جندرية.

الأصل في الإسلام الاباحة:

الشيخ عيسى رمضان يقول ان بالنسبة لعمل المرأة الأصل هو الاباحة فقد أجاز الإسلام عمل المرأة لكن مع بعض الضوابط والشروط منها الالتزام الديني والأخلاقي وان تحافظ على امنها ونفسها وعرضها وان لا يتعارض مع مهمتها الأساسية وهي العناية والاهتمام بعائلتها. كما انه يجب ان يكون مناسب لطبيعة المرأة الجسدية والنفسية وان تلتزم بحجابها وألا تكون متبرجة.

ويختم الشيخ عيسى كلامه ان مهنة كالزراعة مناسبة للمرأة فهي غالبا ستعمل في ارضها مع عائلتها، وقد كانت السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تعمل في أرض زوجها.

من غير تقليدية إلى تقليدية

لا بد أن نؤكد أنه لا يوجد شيء غير تقليدي بشكل دائم ومستمر، ففي الأمس القريب كان عمل المرأة مرفوض في المطلق، وينظر للنساء اللواتي يعملن بنظرة دونية، بعد ذلك تم قبول النساء في بعض المهن بسبب الحاجة الملحة، وتتمثل هذه المهن في التعليم كمعلمة، والصحة كممرضة وطبيبة، كما أن هناك مهن غير تقليدية سابقًا مثل سائقة تاكسي، وكابتن طائرة، ومضيفة الطيران، والموظفة في القطاع العام، والمحامية والقاضية أصبحت هذه المهن اليوم بالنسبة للنساء مهن تقليدية، ولذلك ستتحول الكثير من المهن التي نعتبرها غير تقليدية للنساء اليوم، إلى تقليدية يومًا ما.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى