
جلال عثمان
رئيس المؤسسة الليبية للصحافة الاستقصائية
حين تُصدر منظمة مراسلون بلا حدود مؤشرها السنوي لحرية الصحافة، تجد ليبيا نفسها أمام صورة قاتمة تتكرر كل عام، ومؤشر 2026 الصادر في الثلاثين من أبريل الماضي، لم يحمل مفاجأة من حيث الترتيب، فعشرية الثلاثين بعد المائة هي المنطقة التي اعتادت ليبيا الاستقرار فيها، إلا أنها منطقة لا يمكن تبريرها بالنسبة لدولة دفعت الآلاف من أبناء شعبها من أجل التغيير. والترتيب 138 الذي تراجعت إليه ليبيا هذا العام، بمقدار درجة واحدة عن العام الماضي يكشف عن أزمة حقيقية تبدو بعيدة عن أي أفق للانفراج.
ليبيا الرابعة مغاربيًا والعاشر عربيًا
في ظاهر الأمر، لم تتراجع ليبيا إلا مرتبةً واحدة مقارنة بالعام 2025، حين كانت في المرتبة 137 بعد تحسّن وصفته المنظمة حينها بأنه “طفيف”. غير أن الثبات في ذيل الترتيب ليس إنجازًا؛ بل هو استقرار حالة موت سريري لا أكثر.
قد ينظر بعض المتفائلين إلى ترتيب ليبيا الحالي، بأنه أفضل ما يمكن تحقيقه، بسبب أن مؤشر 2026 قد سجّل للمرة الأولى في تاريخه الممتد منذ 2001 تدهورًا عالميًا غير مسبوق، إذ أن أكثر من نصف دول العالم باتت تصنف في خانتي “صعب” أو “خطير جداً”، وانخفض متوسط تقييم الدول إلى أدنى مستوى في ربع قرن. بمعنى آخر؛ العالم كله تراجع، وليبيا تراجعت معه.
مغاربيًا جاءت ليبيا في المرتبة الرابعة بعد موريتانيا (61)، والتي احتفظت بالمرتبة الأولى عربيًا، والمغرب (105) وتونس (137)، فيما جاءت الجزائر في المرتبة (145) لتحتل آخر قائمة دول المنطقة، بل لتكون الدولة المغاربية الوحيدة المصنفة في فئة “شديدة الخطورة. علمًا أن ليبيا جاءت في آخر ترتيب الدول الصعبة، ولو نزلت درجة واحدة فقط لكانت ضمن الدول شديدة الخطورة، والتي شملت سوريا (141)، والأردن (142)، والجزائر (145)، وفلسطين (156)، الإمارات العربية المتحدة (158)، والسودان (161)، والعراق (162)، واليمن (164)، ومصر (169)، البحرين (170)، السعودية (176). وبذلك يكون ترتيب ليبيا هو العاشر عربيًا، متقدمةً على كافة الدول المذكورة آنفًا. تصور نحن في ليبيا أفضل من الإمارات، والأردن، والبحرين، وبعد تونس مباشرة!!
رسالة سوريا إلى ليبيا
ثمة دول عربية تتشابه ظروفها مع ليبيا تشابهًا يستدعي التأمل، اليمن مثلًا جاء في المرتبة (164)، متراجعًا عشر مراتب، والصحفيون هناك يواجهون الاختطاف والاغتيال والتهديد بالقتل على يد الميليشيات من مختلف الأطراف، في مشهد لا يختلف جوهريًا عما يعيشه الصحفي الليبي. الفارق الوحيد هو أن مستوى العنف المباشر في اليمن أشد، ما دفعه إلى خانة “خطير جدًا”. أما السودان فتراجع إلى المرتبة (161) بسبع درجات، في ظل حرب أججت الانتهاكات وأسقطت أكثر من ثلاثة وثلاثين صحفيًا منذ اندلاع القتال، بينهم صحفيات، والإفلات من العقاب هو القاسم المشترك الأكثر وضوحًا بين ليبيا والسودان.
في الجزائر حيث لا نزاعات مسلحة، ولكن المنظومة القانونية والتشريعية تُحكم قبضتها على الصحفيين عبر قوانين “الأخبار الكاذبة” وتقييد التمويل الأجنبي وملاحقة المنابر المعارضة. التراجع الجزائري الحاد بنحو اثنتَي عشرة مرتبة يكشف أن القمع القانوني لا يقل خطرًا عن القمع الأمني.
في المقابل، مثلت سوريا الحالة الاستثنائية في هذا الإصدار، إذ قفزت ستةً وثلاثين مرتبة ليست نتاج إصلاح ممنهج، بل انعكاسًا لتحول سياسي جذري أعقب سقوط نظام بشار الأسد. وهذه الحالة تحديدًا تحمل رسالة ضمنية لليبيا، مفادها أن التحوّل السياسي الحقيقي هو الأفضل للصحافة، لا الجراحات التجميلية، التي لا يمكنها التأثير في مؤشرات الحرية.
خمسة أسباب وراء تراجع مؤشر ليبيا
حتى نكون منصفين يجب أن نعرف كيف تعتمد مراسلون بلا حدود مؤشراتها، فالذي يحدد درجة المؤشر خمسة محاور، وليبيا تسجل نتائج متدنية في كل واحد منها، وهي السياق السياسي، والإطار القانوني، والسلامة والإفلات من العقاب، والسياق الاقتصادي، والسياق الاجتماعي والثقافي، فعلى المستوى السياسي ترى مراسلون بلا حدود أن وسائل الإعلام والصحفيون مجبرون على خدمة أحد جانبي الصراع على حساب استقلالية الخط التحريري، إذ أن جل وسائل الإعلام تابعة لطرف وممولة منه. وعلى مستوى الإطار القانوني، فالبيئة التشريعية في ليبيا تفتقر إلى الوضوح والقوانين ذات العلاقة بالإعلام، أو حرية الرأي والتعبير تتعارض مع الإعلان الدستوري، ومع المواثيق الدولية التي وقعت عليها البلاد، مثل القانون رقم (76) لسنة 1972 بشأن المطبوعات، وقانون الجرائم الإلكترونية رقم (5) لسنة 2022، ناهيك عن تصادم مراسيم طرابلس مع مراسيم بنغازي، وكلاهما يفتقر إلى التشاور مع الصحفيين أو المجتمع المدني. ولا ضمانات واضحة للوصول إلى المعلومات، ولا قانون للإعلام.
وفيما يتعلق بالمحور الثالث الخاص بمبدأ الإفلات من العقاب، لم تقدم ليبيا للعالم أي نتائج لتحقيقات حول حالات الاعتداء على الصحفيين، ومنها 40 حالة وثقتها الهيئة العامة لرصد المحتوى الإعلامي، تتعلق بحالات إخفاء قسري شملت صحفيين ليبيين وعرب وأجانب، قتلوا أو غيبوا في ليبيا منذ العام 2005، حتى العام 2019.
أما على مستوى السياق الاقتصادي، فوسائل الإعلام الليبية لا تتمتع بالاستقلال التحريري، ومعظم المنابر تقتات على تمويل سياسي أو حزبي أو ميليشياوي، وهو تمويل مشروط بالولاء الكامل، بالإضافة إلى سياسة تحريرية حكومية منحازة، ولا تعمل من واقع فلسفة الإعلام العمومي، بل الإعلام الحكومي، يضاف إلى ذلك أن منظومة الإعلانات يسيطر عليها أصحاب النفوذ، ولا تمنح بشكل شفاف وعادل لوسائل الإعلام بالتساوي.
وفيما يتعلق بالسياق الخامس وهو السياق الاجتماعي والثقافي، وبسبب غياب الإعلام المستقل تحريريًا، والذي يتمتع بالثقة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى الملجأ الأول والأخير لكثير من الليبيين. لكن هذه المنصات بحسب وصف مراسلون بلا حدود باتت “مساحةً مواتية للتطرف وانتشار خطاب الكراهية، وهو ما يعني أن الفراغ الذي يتركه الإعلام المسؤول لا يملؤه الرأي العام تلقائيًا، بل تملؤه الفوضى المعلوماتية.
أزمة دولة لا أزمة مهنة
ما تكشفه مؤشرات مراسلون بلا حدود لعامي 2025 و2026 هو أن ليبيا لا تعاني من أزمة صحافة بالمعنى الضيق للكلمة، بل من أزمة دولة تنعكس آثارها على كل شيء، ومن بينها الإعلام. فالصحافة الحرة لا تنمو في فراغ؛ بل تحتاج إلى سيادة قانون تحمي الصحفي من الاعتقال التعسفي، وإلى بيئة اقتصادية تتيح لوسائل الإعلام الاستدامة دون ولاء تحريري لرأسمال غير صامت، وإلى مرجعية سياسية واحدة تُوحد الفضاء التشريعي.
الأخطر في تجربة ليبيا أن الصحفيين الذين يعملون من خارج البلاد، سواء هروبًا من الملاحقة، أو بسبب عقود عمل في الخارج، يُدركون أن عودتهم مشروطة بتسوية سياسية حقيقية لا بمجرد وقف إطلاق نار سياسي. أي ما لم تُحسم الأزمة السياسية بمعناها الشامل، فإن ليبيا ستستقبل إصدار 2027 من المؤشر بالأرقام ذاتها، أو ربما بأسوأ منها.
المراجع:
- التقرير السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود، مؤشر حرية الصحافة العالمي 2025 و2026.
- المركز الليبي لحرية الصحافة، تقرير حرية الإعلام في عقد كامل
- تقارير المنظمة الليبية للإعلام المستقل