في ليبيا ممنوعون من التعليم بقرار حكومي

تحقيق عن معاناة كبار السن في الوصول إلى حق التعليم

تحقيق: الزهراء البقار

يواجه بعض أفراد المجتمع الليبي كغيره من المجتمعات في الدول ذات المستوى المتدني على مؤشرات التنمية البشرية، مشكلة الحرمان من التعليم أو مواصلته لفئة من المواطنين، رغم أن الإحصائية الإجمالية تبين أن نسبة الأمية في ليبيا قليلة مقارنة بدول أخرى وتحديدا دول الجوار، حيث أظهرت إحصائية صدرت في العام 2020 أن نسبة الأمية في ليبيا هي 9% فقط، بحسب بيان لمكتب الاتحاد الأوروبي في ليبيا، نقله موقع بوابة الوسط في 24 يناير 2023 والذي يوافق يوم التعليم الدولي. ولكن اقتصرت تلك الإحصائية على الأميين الذين ليس لهم القدرة على القراءة والكتابة، ولم تبين أعداد الذين لم يواصلوا دراستهم لإتمام مرحلة التعلم الأساسي، وهم بحسب المعطيات كثر خاصة من فئة النساء.

عانت النساء الليبيات في الماضي من مشاكل في مواصلة الدراسة لعدة أسباب منها: ثقافة المجتمع آنذاك، التي كانت تعيب خروج المرأة لطلب العلم في المدارس، ومشاكل تتعلق بوسائل النقل التي يواجهها سكان الريف، كما ساهمت فترة حكم القذافي في مرحلة ما في نفور المجتمع من التعليم العالي للنساء، بسبب اتساع الرقعة الجغرافية لليبيا، ومحدودية الجامعات، والتي كانت في المدن الرئيسة فقط، مثل طرابلس، وبنغازي، وسبها، وبعض المدن القليلة الأخرى، كما كانت العائلات تتجنب عمل بناتها في المؤسسات البحثية، والوظيفية الأخرى، وكان هناك نزوح واضح في توجيه العائلات لبناتهن للاتجاه لسلك التدريس حصرًا.

يشير ما سبق إلى أن النساء اللواتي حرمن من مواصلة التعليم هن من سن ما فوق الأربعين عامًا، غير أننا لاحظنا من خلال العمل على هذا التقرير أن المشكلة ما زالت قائمة، لتشمل الفئات السنية الأصغر، ولو بشكل أقل، حيث تجد النساء شتى العراقيل أمام مواصلة الدراسة من قبل عائلاتهن، خاصة اللواتي يتم تزويجهن في سن مبكرة.

وفي المقابل، شرعت ليبيا في مكافحة الأمية منذ عام 1951م، وإن كان برنامج محو الأمية ينقطع لفترات معينة لكنه مستمر إلى الآن في بعض المدن الليبية، وينعدم في أخرى، وبذلك تتاح فرص التعليم للأميات والمنقطعات عن الدراسة أحيانًا وتتلاشى أحيانًا أخرى، لكنها مستمرة للنساء اللواتي يمتلكن الرغبة الجادة في التعليم ومن هؤلاء المثابرات لطيفة (1982م) إحدى معلمات مدرسة “معاذ بن جبل” لمحو الأمية وتعليم الكبار.

التعليم المسائي .. الطريق الذي تجاوزت به لطيفة بعض العوائق

تشيد لطيفة بفضل مدرستها التي من خلالها استطاعت أن تواصل تعليمها بعد انقطاع دام أربع سنوات، وتقول إنها تلقت تعليمها النظامي إلى الصف السادس الابتدائي؛ لأن المدرسة المجاورة لمنزلها تتضمن الستة صفوف الأولى فقط من المرحلة الابتدائية، وانتظرت إلى أن تم افتتاح فصول في نفس المدرسة خلال العام 2001 في نظام التعليم المسائي آنذاك، الذي يعطي فرصة التعليم للمنقطعين الذين يرغبون في مواصلة تعليمهم دون شروط، فتحصلت على الشهادة الإعدادية، ثم الحقت بمعهد متوسط؛ لأنه لم تكن هناك مدارس للتعليم الثانوي الخاصة بتعليم الكبار في ذلك الحين.

تخرجت لطيفة من المعهد العالي للمهن الشاملة عام 2023 وتحصلت على شهادة برمجيات الحاسب الآلي، ثم توظفت كمعلمة بمدرستها التي جعلت حلم مواصلة الدراسة حقيقة كما تقول.

ينقسم التعليم العام في ليبيا إلى مرحلتين، الأولى الأساسية وهي تتضمن المرحلة الابتدائية والإعدادية، ثم المرحلة الثانوية التي تنقسم إلى قسمين العلمي والأدبي، ويعد التعليم بالقطاع العام مجاني.

ويستهدف برامج محو الأمية وتعليم الكبار في ليبيا، المعمول به الآن، مَن منعتهن الظروف أو التشريعات القائمة في منظومة التعليم من مواصلة دراستهن النظامية وتجاوزن سن مرحلة الإلزام وهي 15 سنة بحسب القانون رقم 95 لسنة 1975م.

قرارات وزارية تعيق برنامج تعليم الكبار

وفي العام 2006م أنشئ قسم محو الأمية وتعليم الكبار ضمن هيكلية التعليم الأساسي، ليسري على تعليم الكبار ما يسري على الطلاب النظاميين في المرحلة الأساسية من حيث طرق الدراسة، والمنهج، وتوزيع الدرجات، ويتم توطين المدارس من قبل مراقبة التعليم بالبلدية، لاعتماد تعليم الكبار في الفترة المسائية فقط. وفي عام 2021 أصدرت وزارة التربية والتعليم دليلًا علميًا لمدارس تعليم الكبار في المرحلة الإعدادية فقط، إلى حين إعداد لائحة تنظيمية لتعليم الكبار، كما وضحت الوزارة، غير أن بعض القرارات الوزارية تعيق عملية سير برنامج تعليم الكبار، حيث يتم إخراج طلاب تعليم الكبار عند حصولهم على شهادة إتمام مرحلة التعليم الأساسي من منظومة المركز الوطني للدراسة والامتحانات، التي أنشأت عام 2019، واستكمال تعليمهم في مرحلة الأول الثانوي بنظام تعليم المنازل، وبالتالي يلزم الطلاب المتحصلين على شهادة التعليم الأساسي من فئة تعليم الكبار في الانتظار للالتحاق بالامتحانات النهائية التي تحسب فيها درجاتهم على أساس (%100) من الدرجة الكبرى لكل مقرر دراسي، مما يعني تغيير صفة قيدهم من طلاب نظاميين إلى طلاب منازل، ومن هؤلاء نورية التي تحصلت على شهادة التعليم الأساسي العام الدراسي السابق مع ثلاثة زميلات أخريات.

في انتظار تغيير صفة قيدهن من تعليم منازل إلى نظامي

تقول نورية البالغة من العمر 42 عامًا، أنها لم تنل حقها في التعليم منذ الصغر نتيجة بُعد المدارس عن مكان سكنها آنذاك، إلى أن التحقت بمحو الأمية عام 2016 وواصلت تعليمها دون انقطاع، إلى حين صدور القرار الوزاري الذي يمنع الصف الأول الثانوي لتعليم الكبار. تؤكد نورية رغبتها ورغبة زميلاتها في مواصلة الدراسة، ومن ناحية أخرى تقول إن التعليم بنظام المنازل هو أمر في غاية الصعوبة، لذلك استسلمت لقرار إيقاف الدراسة.

ويؤكد مراقب التربية والتعليم ببلدية مصراتة السيد “أحمد إمشيحيت” أنه يسعى جاهدًا لتدليل جميع الصعاب أمام طالبات محو الأمية وتعليم الكبار بشكل خاص، لأنه يقدر الظروف التي هضمت حقهن في التعليم في سن الإلزام حسب قوله، ولمعالجة القرار الوزاري الذي يحرم فيه طالب تعليم الكبار من حق التعليم النظامي في الصف الأول الثانوي؛ ولذا فقد أصدر تعليماته لمدارس تعليم الكبار بالبلدية العام الدراسي الماضي 2022/2023 بعدم قفل الأبواب أمام خريجات الشهادة الإعدادية – تعليم كبار، واستمرار تعليمهن في الصف الأول الثانوي، آملًا من الوزارة بتغيير صفة قيدهن من تعليم منازل إلى نظامي في نهاية العام، وهو ما استجابت له الوزارة.

أحمد إمشيحيت مراقب التربية والتعليم ببلدية مصراتة

كما يقول إمشيحيت إنه اتخذ نفس الإجراء هذا العام، حيث وجه تعليماته لجميع مدارس تعليم الكبار بافتتاح الصف الأول الثانوي، ولكن بتعهد يقتضي على عدم مطالبة الطالبات بأي درجات لأعمال السنة، لأنه لا يوجد ضمانات بتغيير صفة قيدهن.

كما أضاف إمشيحيت أنه قام بصرف مبلغًا ماليًا دعمًا لبعض مدارس تعليم الكبار، وهو إجراء تم اتخاذه لأول مرة، وأوضح أنه بصدد إعداد مذكرة ترصد جميع المعوقات التي تواجه محو الأمية وتعليم الكبار، وإرسالها إلى الجهات المختصة بوزارة التربية والتعليم، كما أنه خصص مبالغ مالية لهذا الأمر.

تم إجبارهن على دراسة التخصص الأدبي

وتستنكر مشرفة مدرسة “معاذ بن جبل” لتعليم الكبار، “أمينة الروياتي”، التي تعمل بالمدرسة منذ عام 2000 بعض القوانين والقرارات الخاصة بتعليم الكبار، فإلى جانب حرمانهن من دراسة الصف الأول الثانوي بوصفهن نظاميات، تقول الروياتي إنها تلقت العام الماضي تعليمات من بعض المسؤولين المحليين بقطاع التعليم بعدم افتتاح القسم العلمي لطالبات تعليم الكبار، رغم أنه لا يوجد أي قرار يلزم طلاب تعليم الكبار بدراسة التخصص الأدبي دون العلمي، وبالفعل استندت على تلك القرارات الوزارية وافتتحت القسم لهؤلاء الطالبات، وترى الروياتي أن إجبارهن على التخصص الأدبي ما هو إلا إنقاص من قدرتهن الإدراكية، وتؤكد أن الكثير منهن أُلزمن بدراسة عكس ما يرغبن في دراسته.

أمينة الروياتي مشرفة مدرسة معاذ بن جبل لتعليم الكبار

وفي هذا العام استلمت الروياتي ستة ملفات من الراغبات في دراسة الصف الثاني الثانوي، القسم العلمي، ووفرت لهن ما يلزم من كتب ومعلومات، ولكن اعترض مكتب التعليم الأساسي المسؤول عن برنامج تعليم الكبار في البلدية دون توضيح منه، ولم تتحصل على الموافقة إلا بشكل متأخر، في الوقت الذي لجأن فيه الطالبات بدراسة الصف الثاني الثانوي، القسم العلمي بمدرسة أخرى تبعد كثيرًا عن مكان سكنهن، كما تؤكد الروياتي بتفوق الكثير من طالبات تعليم الكبار بالقسم العلمي من السنوات الماضية، ووصولهن إلى نتائج مبهرة، فبحسب ما قالته، فإن هناك من يدفعون ببرنامج تعليم الكبار إلى الأمام وعلى رأسهم مراقب التعليم بالبلدية، وآخرون من الجنسين يحاولون عرقلته بشكل صريح دون أسباب واضحة منهم.

 

المنظومة التعليمية لا تقبل كبار السن

يقول رئيس قسم الشؤون القانونية بمراقبة التعليم عن بلدية مصراتة “عادل قلوز” أن اللائحة التنفيذية الخاصة بالتعليم الأساسي تصنف تعليم الكبار من الصف الخامس ابتدائي إلى الثالث إعدادي، وتتجاهل مرحلة الثانوية، أي أنه لا توجد أي مادة تنظم الدراسة بمرحلة الثانوية لتعليم الكبار، في حين يوجد العديد من طلاب تعليم الكبار يدرسون بمرحلة الثانوي منذ سنوات، ونتفاجأ بقرارات وزارية تصدر بين الحين والآخر بحقهم، أي أنه يوجد تخبّط من وزارة التعليم.

ويوضح قلوز أن سبب استبعاد طلاب تعليم الكبار من منظومة التعليم في السنة الأولى الثانوي، هو عامل العمر، فالمنظومة التعليمية لا تقبل الأعمار الكبيرة، وتصنف خريجي الشهادة الإعدادية – تعليم الكبار، على أنهم مستنفذون لسنوات الرسوب، لذلك ترغمهم على التقيد بصفة المنازل، ومن المستغرب أنها تشترط عليهم النجاح في الصف الأول الثانوي ليتم تغيير صفتهم إلى نظامي في باقي مراحل التعليم الثانوي.

قرار وزير التربية والتعليم بحكومة الوحدة الوطنية بشأن تصنيف طلبة تعليم الكبار
نموذج تعهد تفرضه مراقبة تعليم مصراتة على الطلبة الكبار بشأن عدم المطالبة بدرجات أعمال السنة

من جانبه، يؤكد يحي حمزة، مدير مكتب الامتحانات في مصراتة، أن اللوائح المعمول بها لا تعطي الحقوق الكاملة لطلاب تعليم الكبار، بحيث تقتصر مدة تعليمهم على المرحلة التعليمية الأساسية فقط، كما يوجد خلط في عملية اتخاذ القرارات بحقهم، فتنطبق بعض القرارات الصادرة بحق الطلاب النظاميين على طلاب تعليم الكبار في مرحلة الثانوي أيضا، رغم عدم وجود لائحة تنظم دراستهم، فيطبق قرار استنفاذ سنوات الرسوب على الطالب النظامي، لأن عمره تجاوز العمر الذي تسمح به المنظومة، ويطبق على طلاب تعليم الكبار أيضًا في حالة استنفاذ سنوات الرسوب، رغم أن أعمارهم كبيرة في السن منذ التحاقهم بالتعليم. ويقصد باستنفاذ سنوات الرسوب، أن الطالب له الحق بإعادة الدراسة لعامين فقط في حال رسوبه، ثم يلتحق بالدراسة بنظام المنازل.

عدم تكافؤ فرص مواصلة التعليم للطلاب المنقطعين بين الجنسين

ويقول أحمد الفرجاني، موظف بمكتب الامتحانات- مصراتة، إن فرص مواصلة التعليم للإناث المنقطعات عن الدراسة متاحة رغم قلتها، ولكن تنعدم بالنسبة للذكور المنقطعين الراغبين في مواصلة تعليمهم، لأنه لم يتم توطين أي مدرسة لتعليم الكبار – الذكور منذ سنوات، ويستدل بأحد طلاب مرحلة الأساسي الذي استنفذ سنوات الرسوب بالصف الثاني الإعدادي، فخرج من منظومة التعليم النظامي، ويتوجب عليه في هذه الحالة الالتحاق بنظام تعليم الكبار لكن تنعدم الفرص لمواصلة تعليمه.

وما يستنتج هو أن المنظومة التعليمية تستبعد أيضًا الطلاب النظاميين في المرحلة الأساسية، رغم أن القانون الليبي ينص في المادة (1) من قانون رقم (18) سنة 2010م، بشأن التعليم بأن: “التعليم حق للجميع، وتعمل الدولة على تيسيره للمواطنين، برعاية المؤسسات التعليمية، العامة والأهلية، ومتابعة كفاءتها، ومراقبة جودة مخرجاتها، كما تعمل الدولة على تشجيع التعليم الأهلي والتوسع فيه، وهو إلزامي للمواطنين حتى مرحلة التعليم الأساسي”. وقد نظمت اللوائح التنفيذية الصادرة عن وزارة التعليم الدراسة بالنسبة لتعليم الكبار في المرحلة الأساسية، وتجاهلت المرحلة الثانوية، لذلك سبّب هذا الفراغ التشريعي في عرقلة تعليم الكبار في مرحلة الثانوي من قبل البعض، فيما دفع الآخرون بهم نحو الأمام لتسهيل عملية دراستهم باجتهادات شخصية دون استناد قانوني قوي يضمن حقهم في الدراسة وينظمها، ما نتج عنه انقطاع بعض الطالبات الدارسات في الصف الأول الثانوي – تعليم الكبار – عن الدراسة، واستمرار الأخريات الدراسات بالمدارس في نفس المرحلة لكن بنتائج غير مضمونة، فودعت الكثير من الطالبات فصولهن الدراسية، بأقلام وقلوب مكسورة، وأخريات لازمن مقاعدهن، يسمع المار بجانبهن أصوات الألم والأمل.

 

تم إنجاز هذه المادة الصحفية بالتعاون مع صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR والصندوق الكندي للمبادرات المحلية، والمؤسسة الليبية للصحافة الاستقصائية  LIFIJ

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى