
تقرير استقصائي: للصحفي أحمد القايدي عن تهريب السلحفاة المصرية من ليبيا إلى مصر
تُعد السلحفاة المصرية (Testudo kleinmanni) من أندر السلاحف في العالم، وهي مدرجة على القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض بدرجة “مهددة critically endangered” منذ عام 2003.
يكشف هذا التحقيق عن شبكة تهريب منظمة تنشط على الحدود الليبية – المصرية وخارجها، وتتضمن حلقة خطيرة تتمثل في تزوير شهادات منشأ مصرية لتسهيل مرور السلاحف المهربة في الأسواق الدولية. يعتمد التقرير على مصادر ميدانية ومقابلات مع خبراء ومعنيين، ويهدف إلى كشف خيوط هذه الجريمة البيئية والخروج بتوصيات عملية للحد منها.
دلائل وأرقام
الانقراض المحلي في مصر والاعتماد على ليبيا
تشير التقارير العلمية إلى أن السلحفاة المصرية انقرضت فعليًا من معظم نطاقها السابق في مصر، ولم يتبقَّ سوى تجمعات صغيرة جدًا في محمية الزرانيق بسيناء. ونتيجة لذلك، أصبحت ليبيا – وتحديدًا المنطقة الساحلية الشرقية (الجبل الأخضر) – الموطن الطبيعي الرئيس والأكثر أهمية لهذه السلاحف بأعداد تُقدَّر بآلاف الأفراد. كما توجد تجمعات أخرى في مناطق متفرقة من ليبيا، لكن الجبل الأخضر يعد المعقل الأساسي لهذا النوع.

دلائل قوية عن حجم التجارة غير المشروعة
تشير عمليات الضبط الدولية إلى حجم مقلق للتهريب يتجاوز الحدود الليبية-المصرية، ونسوق هنا أهم المعلومات التي تحصلنا عليها، والمتمثلة في السنة، والموقع، والتفاصيل، والمصدر:
- 1997 مصر ضبط 300 سلحفاة مصرية قادمة من ليبيا، تم تسليمها لبرنامج إعادة توطين (تقارير ميدانية)
- 2005 مطار روما ضبط 275 سلحفاة في حقيبة مسافر قادم من ليبيا، سعر الواحدة 400 يورو (Fox News)
- 2009 إيطاليا تهريب 370 سلحفاة، مات 330 (89%) بسبب أمراض فيروسية (Marschang et al).
- 2016 ليبيا حجز 1700 سلحفاة في حافلة وشاحنة، جُمعت من مناطق الجبل الأخضر وضواحيها (Robin des Bois)
- 2021 الحدود الليبية-المصرية إحباط تهريب وإنقاذ 250 سلحفاة بجهود مشتركة
(BirdLife International)
- سبتمبر 2025 مطار بانكوك ضبط 187 سلحفاة بحوزة مسافر مصري متجه إلى لاوس (Nation Thailand)
كما تشير المعلومات إلى أن غالبية السلاحف المضبوطة في عمليات التهريب تعود أصولها إلى منطقة الجبل الأخضر شرق ليبيا، حيث توجد التجمعات الأكبر والأكثر صحة، بينما تعاني مناطق أخرى من تراجع حاد في الأعداد بسبب الصيد الجائر والتهريب المستمر.
تزوير شهادات المنشأ – حلقة التهريب الخفية
إخفاء المصدر الليبي
تُصدر السلطات المصرية شهادات منشأ للسلاحف المصرية التي يتم تربيتها في مزارع مسجلة داخل مصر، غير أن شبكات التهريب تستغل هذه الآلية القانونية لتزوير شهادات منشأ لسلاحف مصدرها الجبل الأخضر ومناطق أخرى في ليبيا، لتبدو وكأنها منتجة في مصر بشكل قانوني.
تجاوز اتفاقية CITES
وبما أن السلحفاة المصرية مدرجة في الملحق الأول لاتفاقية CITES، فإن الاتجار التجاري بها بين الدول محظور تمامًا. لذلك، يلجأ المهربون إلى تزوير شهادات منشأ مصرية لتجاوز القيود الدولية وتمريرها كسلاحف مصرية بشكل قانوني، مما يسهل تصديرها إلى أسواق آسيا وأوروبا.
الأدلة والمؤشرات
تُظهر بيانات CITES أيضًا أن حوالي 66% من السلاحف المصرية التي أبلغ عنها المستوردون كانت من مصادر برية (مجمعة من الطبيعة)، وأن الغرض التجاري (T) يمثل النسبة الأكبر من التجارة المبلغ عنها.
- ضبطية تايلاند عام 2025 بحوزة مسافر مصري تؤكد استخدام الجنسية المصرية كغطاء لتهريب السلاحف إلى آسيا.
- تشير تحرياتنا إلى وجود شبكات داخل مصر تتولى توفير شهادات منشأ مزورة لقاء مبالغ مالية، مستغلة ثغرات في نظام الرقابة على المزارع المصرية.
- المصادر الميدانية في الجبل الأخضر تؤكد أن جامعي السلاحف في المنطقة يتلقون طلبات مباشرة من وسطاء مصريين، مما يؤكد أن نقطة البداية لهذه العمليات هي الجبل الأخضر تحديدًا.
مناطق التجميع والتهريب في ليبيا
الجبل الأخضر .. المعقل الرئيس
تُعد منطقة الجبل الأخضر (التي تمتد من البيضاء إلى درنة وتشمل مناطق سوسة ورأس الهلال والمرج) الموطن الأغنى بالسلاحف المصرية في ليبيا والعالم. وتشير التقارير الميدانية إلى أن التضاريس الوعرة والغطاء النباتي في الجبل الأخضر يوفران بيئة مثالية لتكاثر السلاحف، وقرب المنطقة من الحدود المصرية يسهل عمليات نقلها بريًا، كما أن الانفلات الأمني النسبي في بعض مناطق الجبل الأخضر بعد 2011 سهّل انتشار الصيد الجائر.
مناطق أخرى في ليبيا
بالإضافة إلى الجبل الأخضر، توجد تجمعات أصغر للسلحفاة المصرية في منطقة طرابلس (الساحل الغربي) حيث توجد تجمعات محدودة، وفي منطقة بنغازي وضواحيها، لكنها تعاني من تراجع حاد في الأعداد، بالإضافة إلى مناطق جنوب ليبيا (الكفرة وسبها) حيث توجد تجمعات صغيرة ومعزولة.
ورغم وجود السلاحف في مناطق متفرقة من ليبيا، فإن الجبل الأخضر يمثل المصدر الأساسي للسلاحف المهربة بسبب كثافة أعداده وسهولة الوصول إلى حدوده الشرقية القريبة من مصر.
دوافع التهريب وآلياته
القيمة الاقتصادية والدلالة الثقافية
ترتفع قيمة السلحفاة المصرية في الأسواق الدولية إلى ما بين 700 و1000 دولار أمريكي للسلحفاة الواحدة، مما يجعلها سلعة مربحة للشبكات الإجرامية، كما أن في الثقافة المصرية، ترمز السلحفاة إلى الحظ والبركة وطول العمر، مما يجعل السوق المصرية سوقًا جاذبة لهذه الكائنات، التي يستهدف المهربون البالغة منها تحديدًا لأن سعرها يزداد مع الحجم.
انعدام الاستقرار الأمني
أدى انعدام الاستقرار السياسي في ليبيا بعد ثورة 2011 إلى خلق بيئة خصبة للمهربين، خاصة في منطقة الجبل الأخضر حيث تراجعت قدرة السلطات المحلية على مراقبة الصيد الجائر والتهريب.
الظروف الاقتصادية
دفع التدهور الاقتصادي المجتمعات المحلية في الجبل الأخضر ومناطق أخرى إلى الانخراط في جمع السلاحف وبيعها للمهربين كمصدر دخل سريع، فيما أصبح تزوير شهادات المنشأ مصدر دخل إضافي لبعض الأطراف في مصر.
طرق التهريب الميدانية
بحسب متابعاتنا، تُستخدم عدة طرق للتهريب تنطلق غالبًا من الجبل الأخضر، تتمثل في الطرق البرية عبر معابر الحدود الليبية-المصرية غير الرسمية القريبة من الجبل الأخضر، حيث تُنقل السلاحف في أكياس وحقائب بأعداد كبيرة، وفي المطارات عبر مسافرين يحملون السلاحف في أمتعتهم، كما في واقعة روما 2005 وبانكوك 2025. كذلك في الموانئ البحرية عبر موانئ درنة وبنغازي وطرابلس، حيث تُخفى السلاحف في شحنات تجارية متجهة إلى مصر أو أوروبا.
جهود المكافحة والتحديات
التعاون العابر للحدود
يمثل التعاون بين جمعية “الحياة” الليبية وجمعية “الحماية” المصرية أنموذجًا ناجحًا بدعم من صندوق الشراكة للنظم البيئية الحرجة (CEPF) وBirdLife International، إذ يشمل التعاون إجراء مسوحات ميدانية في شرق ليبيا (الجبل الأخضر) وغرب مصر لتقييم التجمعات المتبقية، وتدريب متطوعين محليين في ليبيا على جمع البيانات، ورصد محاولات التهريب، بالإضافة إلى إنقاذ 250 سلحفاة وإعادتها إلى موطنها في الجبل الأخضر عام 2021، كذلك إعداد خطة عمل مشتركة للحفاظ على السلحفاة المصرية.
لا تمويل لا تشريعات رادعة
السيد أنس بلقاسم، رئيس مجلس إدارة الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية، أكد أن عمليات التهريب لم تتوقف رغم الجهود المبذولة، وأشار إلى أن منطقة الجبل الأخضر تتعرض لضغط صيد جائر غير مسبوق، وأن التحدي الأكبر يتمثل في نقص التمويل وضعف التشريعات الرادعة في ليبيا، إضافة إلى استمرار الطلب المصري المرتفع على هذه السلاحف.

أضاف بلقاسم أن العمل جار حاليًا مع السلطات الليبية لتحديث قائمة الأنواع المحمية لتشمل السلحفاة المصرية بشكل صريح، مع التركيز على حماية الجبل الأخضر كمنطقة أولوية.
الخبير إبراهيم القهواجي، وهو خبير صون الطبيعة، أوضح أن تهريب السلاحف – خاصة من الجبل الأخضر – يشكل كارثة بيئية، مشيرًا أن هذا النوع يلعب دورًا محوريًا في النظام البيئي الصحراوي وشبه الصحراوي في شرق ليبيا”.
وأضاف أن “غياب الإرادة السياسية والتشريعات الواضحة في البلدين، واستمرار الاستهداف المكثف للجبل الأخضر، يهدد بانقراض هذا النوع نهائياً خلال عقدين”.
كما شدد على ضرورة إشراك المجتمعات المحلية في الجبل الأخضر في جهود الحفاظ، وتوفير بدائل اقتصادية مستدامة لجمع السلاحف.

- التحديات القائمة
بعد سلسلة من البحث والتقصي، وصلنا إلى أن ضعف التشريعات كان وراء هذه الجريمة البيئية، فالسلحفاة المصرية بحاجة إلى حماية قانونية صريحة في ليبيا، رغم إدراجها في الملحق الأول لاتفاقية CITES، كما أن تزوير شهادات المنشأ، يمثل تحديًا إضافيًا يتطلب تشديد الرقابة على إصدار الشهادات المصرية. ويبرز نقص التمويل ضمن الإشكاليات التي فاقمت المشكلة، إذ لم تحظ جهود الحفاظ على هذا النوع بدعم مالي كافٍ لأكثر من 30 عامًا، خاصة في منطقة الجبل الأخضر. ناهيك عن استمرار الطلب على هذا النوع من السلاحف، وطالما استمر الطلب في مصر وآسيا، فإن التهريب سيستمر دون أدنى شك.
على صعيد متصل يأتي ضعف المراقبة الميدانية للمناطق الجبلية الوعرة في الجبل الأخضر، كأهم العوامل في استمرار عمليات الصيد الجائر.
بعد أشهر من البحث والتقصي، والتواصل مع المصادر، ومقارنة المعطيات، وصلنا إلى عدد من التوصيات التي نأمل أن تأخذها الجهات المعنية في الاعتبار، وأن تجعلها أولوية، وهي حماية الجبل الأخضر كمنطقة أولوية، وإعلانه منطقة محمية طبيعية مؤقتة لحماية السلحفاة المصرية، مع فرض حظر شامل على الصيد فيها، وإنشاء نقاط مراقبة ثابتة في الممرات الرئيسة المؤدية من الجبل إلى الحدود المصرية، بالإضافة إلى توثيق تجمعات السلاحف في الجبل الأخضر عبر نظام GPS لتحديد المناطق الأكثر كثافة وحمايتها.
تشديد الرقابة على شهادات المنشأ
من المهم جدًا لحماية هذه الثروات البيئية إنشاء آلية مشتركة بين مصر وليبيا للتحقق من مصدر السلاحف المصرية، وإخضاع أي شحنة لفحص الحمض النووي (DNA) للتأكد من مصدرها الجغرافي، ومقارنتها بعينات من الجبل الأخضر، بالإضافة إلى إنشاء سجل وطني موحد لمزارع تربية السلاحف المصرية في مصر، مع رقابة دورية.

تعزيز التعاون الأمني الدولي
من واقع تخصصنا في حماية الحياة البرية، نوصي بإنشاء وحدة مشتركة لمراقبة الحدود ومكافحة تهريب الحياة البرية بين مصر وليبيا، مع تركيز خاص على الممرات القريبة من الجبل الأخضر، كذلك تدريب حرس الحدود والجمارك على التعرف على السلاحف المضبوطة وكيفية التعامل معها، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول المعنية عبر إنتربول وإنفاذ قوانين CITES.
تكثيف حملات التوعية
ونظرًا لأن المراقبة الحكومية لا يمكن أن تنجح وحدها، فإن استهداف المجتمعات المحلية في الجبل الأخضر ببرامج توعوية حول أهمية السلحفاة البيئية وخطورة تهريبها، وتقديم بدائل اقتصادية مستدامة، مثل السياحة البيئية ومشاريع الحفاظ المدرة للدخل، قد يسهم بشكل كبير في الحد من هذه المشكلة، بالإضافة إلى القيام بحملات توعية في الأسواق المصرية لتقليل الطلب على السلاحف كحيوانات أليفة.
سن تشريعات رادعة
بسبب عدم إدراج السلحفاة المصرية صراحةً في قوائم الأنواع المحمية في ليبيا، وعدم تشديد العقوبات على مهربيها ومتاجريها ومن يصدر شهادات منشأ مزورة، فإن سن تشريعات تصل إلى السجن والغرامات المالية الكبيرة، سيكون له الأثر البالغ في الحد من هذه الظاهرة، مع تحديد الجبل الأخضر كمنطقة حماية خاصة، كما يجب أن تسن تشريعات لتفعيل آليات الملاحقة القانونية للشبكات العابرة للحدود.
برامج إعادة التوطين العلمية
تعتبر دراسة إمكانية إعادة إدخال السلحفاة المصرية في محميات طبيعية محمية في مصر، بالاستفادة من المسوحات الميدانية التي أجريت في شمال غرب مصر، من الإجراءات المهمة التي يجب أن ترى النور، بالإضافة إلى إنشاء برامج تربية في الأسر داخل محميات طبيعية بهدف إعادة التوطين تدريجيًا، مع الاعتماد على سلاحف من الجبل الأخضر كسلالة أساسية.
إنشاء منصة رقمية لمكافحة التهريب
ولضمان استدامة مشروع مكافحة هذا النوع من التهريب، نرى إطلاق تطبيق أو منصة إلكترونية لتسهيل الإبلاغ عن محاولات التهريب، بالتعاون مع الجمعيات البيئية في البلدين، مع تركيز خاص على مناطق الجبل الأخضر، وربطها بغرف عمليات مشتركة للاستجابة السريعة.
قائمة المصادر
- BirdLife International. (2021, June. Libyan and Egyptian conservationists work across border to save Critically Endangered tortoise.
- Borneo Bulletin. (2025, September 12). Wildlife smuggling attempt busted.
- JIJI PRESS. (2025, September 13). Thai Authorities Seize 187 Egyptian Tortoises at Suvarnabhumi Airport.
- Marschang, R. E., et al. (2009). Detection and partial characterization of herpesviruses from Egyptian tortoises (Testudo kleinmanni) imported into Italy from Libya. Journal of Zoo and Wildlife Medicine, 40(1), 211-213.
- Nation Thailand. (2025, September 12). Thai Authorities Seize 187 Egyptian Tortoises at Suvarnabhumi Airport.
- Perälä, J. (2003). Testudo kleinmanni – Critically Endangered. Chelonian Conservation and Biology, 4(1-4).
- Robin des Bois. (2016, April 11). Good news from Libya.
- CITES. (n.d.). Egyptian tortoise trade data.
- مقابلة خاصة مع السيد أنس بلقاسم، رئيس مجلس إدارة جمعية الحياة البرية الليبية
- مقابلة خاصة مع السيد إبراهيم القهواجي، الخبير في مجال صون الطبيعة
- تقارير ميدانية من منطقة الجبل الأخضر – فريق جمعية الحياة البرية الليبية (2020-2024).
أحمد القايدي
ناشط بيئي ومحقق في مجال الحياة البرية، وعضو مجلس إدارة المؤسسة الليبية للصحافة الاستقصائية